عبد الكريم الخطيب
938
التفسير القرآنى للقرآن
« أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة - أن يحلّ علىّ غضبك ، أو ينزل بي سخطك . « لك العتبى حتى ترضى . . « ولا حول ولا قوة إلا بك . . » إنها مناجاة ، يتنفس فيها النبي أنفاس العافية ، ويطعم منها طعم الرضا ، ولهذا طالت تلك المناجاة ، ومشت كلماتها الهوينا على شفتى رسول اللّه ، كأنها تحمل أثقالا من الهموم التي ألمت به ، وتنطلق بها في قافلة طويلة ممتدة بين الأرض والسماء ! ! ثم انظر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، وقد أحاط به المشركون ، وتعاورته سهامهم ورماحهم ، وكادت تصل إليه سيوفهم ، وقد شجّ صلوات اللّه وسلامه عليه ، وكسرت ثنيتاه ، واستشهد كثير من أصحابه ، وأحبابه ، ومن بينهم عمه ، أسد اللّه ، حمزة بن عبد المطلب . ومع هذا ، فما قال النبي في هذا المقام ، إلا القولة التي لا يقولها إنسان غيره في هذه الدنيا . . قال - صلوات اللّه وسلامه عليه : « اللهم اهد قومي ، فإنهم لا يعلمون » ! ! وكما ابتلى اللّه سبحانه ، أولياءه بالبأساء والضراء ، ابتلى أعداءه بالنعماء والسراء ، فكان ذلك بلاء عليهم ، ونقمة من نقم اللّه بهم . . لقد زادتهم تلك النعم بعدا عن اللّه ، وعمى عن الحق ، وضلالا عن الهدى . والقرآن الكريم يذكر لنا قارون ، كمثل من أمثلة الابتلاء بالنعم ، عند من لا يقدر على الوفاء بها ، ولا يقدرها قدرها ، فكان أن عجل اللّه له الهلاك في الدنيا ، ثم أعدّ له عذاب السعير في الآخرة . . وكذلك فرعون ، الذي بسط له في السلطان ، وأمدّه بموفور النعم ، فما زاده ذلك إلا كفرا باللّه ، ومحادة له . . فمات تلك الميتة الشنعاء ، وكان مثلا وعبرة لأولى الأبصار . .